القاضي عبد الجبار الهمذاني
12
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ولو صح على ما يقوله شيخنا أبو عليّ رحمه اللّه : « حاجة الكلام إلى الحركات » ، لم يصح هذا الحدّ ؛ لأن ما يحتاج إليه الشيء لا يصح إدخاله تحت حده ، فلو جاز ذلك في الحركات لجاز في المحل والبنية . وفساد ذلك ظاهر . وإنما قلنا : إن الكلام ليس بحركة ، لأنه مدرك مسموع . ويستحيل ذلك في الحركات فيما قلته « 1 » ، بل يجب كونها متضادّة . والحروف تتضادّ عند شيوخنا على خلاف تضادّ الحركات . وكل ذلك يبطل القول بأن الكلام حركات مخصوصة . وهذا يبطل قول من حدّ الكلام بأنه حركات تقرع الهواء وتحصل في الجوّ مع تقطيع الهواء فتسمع كلاما ، وذلك لأنا قد دللنا على مفارقة الكلام للحركات في الحس . وذلك يبطل هذا القول . وقد يصح عندنا / وجود الكلام في لسان الإنسان ، وإن لم يوصف ذلك بأنه قرع في الهواء أو تقطيع له . ولا يجوز أن يحد الكلام بأنه الحروف الخارجة من مخرج مخصوص ، لأن الخروج والتحرك يستحيل على الكلام في الحقيقة ، فكيف يجوز أن يحدّ به . وبعد ، فالقديم - تعالى ذكره - لو فعل الكلام في جسم ليس بذى مخرج لصح ، ولكان كلاما في الحقيقة ، فلا يصح إذن ما قاله ، وكيف تدخل آلة الكلام في حد الكلام مع العلم بأن الشيء لا يجوز أن يحدّ إلا بما يبين به من الصفات الراجعة إليه ، دون ما يرجع إلى سببه ووجه وجوده . ولا يصح أن يحد الكلام بأنه ما يحدث عن الاصطكاك في مخارج مخصوصة ، لما بيناه من صحة وجود الكلام من جهة اللّه تعالى على غير هذا الوجه ، ولأن سبب الشيء وآلته لا يدخلان تحت حدّه .
--> ( 1 ) الأصل : « فما يليه » .